لا تحكم على السلسلة من أقوى حلقاتها
أسامة فؤاد محمد الناصر
· مدرّب معتمد
17 سبتمبر 2026 · 4 دقائق قراءة · 64 قراءة
قوة الفرد والفريق لا تُقاس بأقوى عناصرهما وحدها، بل بقدرة الحلقة الأضعف على الصمود عندما تتغير الظروف. يناقش أسامة الناصر مسؤولية القادة والفرق في التعرف على نقاط الضعف واحتوائها قبل أن تتحول إلى خسارة مشتركة.
كلنا سمعنا عن المقولة الشهيرة: "لا تحكم على الكتاب من غلافه،" واستنتجنا منها مباشرةً ألا نحكم على المظاهر قبل أن نعرف الجوهر. وهذه، في حد ذاتها، فكرة شائعة ومقبولة لدى الجميع. لكنني، في المقابل، لم يمر عليّ كتابٌ يحمل عنوانًا عن الطبخ بينما محتواه عن الطب. كما أنني متيقن من أن اسمي أسامة الناصر، ومتيقن كذلك من أنني لم أقرأ كتابًا واحدًا يستحق التأمل كان غلافه يعد بشيء، ثم جاءت صفحاته لتقدم شيئًا لا علاقة له به؛ ولا أتصور أن كتابًا يبلغ شأنًا يُعتد به إذا كان هذا التباين بين غلافه ومضمونه غير مقصود. خلاصة الأمر هي أننا لا نحكم على الغلاف لأنه يكشف كل شيء، بل لأنه يعطينا معلومة أولية نستطيع أن نبني عليها قرارًا مؤقتًا. لذلك، لا ينبغي أن نلغي مفهوم الحكم على المظاهر عندما يخدمنا بشكل مباشر في توفير الوقت والطاقة. وفي أحيانٍ أكثر مما نعترف به، قد تكون ملاحظة سلبية، حتى إن ظهرت بالصدفة دون أن تترتب عليها عاقبة، كافية لتغيير طريقة تعاملنا مع الكيان كله. وهذا الحذر قد يكون في محله، متى كنا واعين بعواقب التساهل مع ذلك المؤشر. نحن لا نضغط على أضعف حلقات السلسلة إذا أردنا الحفاظ عليها، وإن كانت الحلقات الباقية قوية.
من باب التوضيح، الحلقة الأضعف لا تُعتبر كذلك لمجرد احتمال ضعف كفاءتها، بل الحلقة التي يكون انكسارها، عند تحقق ظروف معينة، قادرًا على إحداث أكبر ضرر في السلسلة. في الواقع، جميعنا نملك هذه الحلقة الأضعف وتجعلنا معرّضين—في الظروف الصحيحة—للهجوم، واتزاننا معرّضاً للاختلال، وحتى مصداقيتنا معرّضة للانهيار، سواء كنا نعلم بها أم لا. هذا على المستوى الفردي. أما على المستوى الجماعي، فالأمر أخطر بكثير.
على المستوى الجماعي، إذا كانت المجموعة تشترك في الهدف نفسه، ومتفقّة على آلية واضحة للعمل، وكان كل فرد على علم بدوره وحساسيته، بمعنى أن المجموعة تعمل فعلًا كفريق، فعلى أفرادها أن يحتسبوا الأضرار المحتملة التي قد تقع على المجموعة نتيجة انكسار إحدى حلقاتها، خصوصًا عندما لا يكون الضرر واقعًا على الفرد وحده. بالنسبة لقائد المجموعة، هو في موقع مختلف؛ فهو، إذا كان صاحب ضمير عالٍ، لا يديرهم فقط، بل هو المسؤول عن حماية المجموعة من تبعات هذه الأضرار، وعن الدفاع عنها عندما تشتد الأمور. هذا بحد ذاته يجعله الحلقة الأضعف، وكسرها قد يورط فريقه بالكامل، بحكم حساسية موقعه من حيث حجم المسؤولية—خصوصاً إذا كان الضرر ناتجاً عن إخفاقهم غير المقصود؛ لأنه يحمل على عاتقه عبء تمكين الفريق من تحقيق الإنجازات المطلوبة، مع تقليل احتمالات الخسائر التي قد تهدد المجموعة بأكملها. ويزداد هذا العبء قسوةً حين يدرك القائد أن كثيرًا من الناس، عند وقوع الخطأ، لن ينظروا إليه باعتباره خطأ فردٍ واحد، بل سيعتبرون أن خطأ الفريق، في النهاية، هو خطؤه أيضًا. كل ما سبق ذكره إلى هذه النقطة كان في حال إسقاط هذه الحالات علينا نحن، كأفراد وكقادة. أما عندما نلاحظ الحلقات الأضعف ونحن طرفٌ ثانٍ أو ثالث، فهنا تبدأ مسؤولية مختلفة تمامًا.
عززت في الفقرات السابقة هذه الفكرة: قوة الفرد والفريق لا تحدد فقط بمواطنهما القوة، بل حتى مدى صمود حلقاتهما الأضعف. هذه الفكرة ليست فقط لتعزيز مفهوم زيادة الوعي بنقاط ضعفنا وأهمية حماية أنفسنا من التعرض لظروف صعبة، بل أيضاً، كما قلت في الفقرة الأولى، لتكوين تصورات أدق عن الغير لأن حتى مواطن الشك والضعف تؤخذ بعين الاعتبار. ليس من الواقعية أن تتوقع من زملائك في مشروع ما، حتى لو سبق لك العمل معهم وعرفت إمكانياتهم، أن يؤدوا بالمستوى نفسه طوال الوقت؛ فالأداء الذي رأيته منهم في الظروف المعتادة لا يضمن قدرتهم على المحافظة عليه عندما تصبح الظروف أصعب، أو عندما تتجاوز المتطلبات ما اعتادوا التعامل معه. وأيضًا، يجب أن تضع في الحسبان أن خبرتك وصلابتك النفسية نتيجة تجاربك السابقة معهم قد لا تكون كفيلة بحمايتك من نتيجة المساس بالحلقة الأضعف في فريقك؛ فالحلقة الأضعف ليست ثابتة بالضرورة، وقد تتغير مع تغيّر الظروف، فتنتقل نقطة الخطر من شخص إلى آخر أو من موضع إلى آخر. لذلك، لا تعتمد على أن ما نجح في احتوائه بالأمس سيكفي لاحتواء ما قد يظهر غدًا؛ فاستعد لاحتمال أن تكون المشكلة القادمة مختلفة، بل وأسوأ.
في نهاية المطاف، فليس حسن الظن أن نغض الطرف عن الإشارات الواضحة، كما أن الحذر ليس سوء ظن؛ إنما السذاجة أن نرى الحلقة الضعيفة، ثم نحكم على السلسلة من أقواها. وفوق ذلك، التعامل الحكيم مع الضعف لا يكون دائمًا بمحاولة إزالته، بل بتقويته أو احتوائه ضمن إطار مرن يخفف من احتمالات انكساره، ويمنح المرء مساحة كافية للتعامل معه والتغلب على تبعاته. وثقافة التكاتف تشجع أفراد المجموعة على تمكين بعضهم بعضًا لأداء أدوارهم بأحسن صورة، وعلى حماية الحلقات التي قد يكون انكسارها مكلفًا للجميع. وعلينا أيضًا، ما أمكن، أن نقي أنفسنا من الظروف المحتملة التي قد تجبرنا على خسارة كل ما قدمناه، وذلك من خلال مراجعة صريحة ومستمرة لذواتنا، والتعرف مبكرًا على حلقاتنا الأضعف، وتحصينها قبل أن تضطرنا الظروف إلى اختبارها. نصيحتي لك يا عزيزي القارئ: لا تقيِّم الشيف من أفضل أطباقه، بل اسأل ماذا يحدث عندما يصل أسوأ أطباقه إلى المائدة.
خديجة الشمري
طرح ثري أ. أسامة، ونفخر بهالإضافة من أحد أعضاء مداميك 🌿