أحياناً أنت لا تكفي
أسامة فؤاد محمد الناصر
· مدرب — عضو مداميك
29 أغسطس 2026 · 4 دقائق قراءة · 89 قراءة
حتى لو قدمنا أفضل ما لدينا، قد تبقى عوامل لا نتحكم بها. القيمة في أن نسعى دون أن نخسر أنفسنا أو نختزل هويتنا في العمل.
أنا أعني ما كتبته في العنوان بالمعنى الحرفي، لأن الحقيقة القاسية لكنها محرّرة هي أن أحياناً حتى لو عملنا بأقصى ما لدينا بأكمل وجه—أفضل تنسيق، أسرع نتيجة، أعلى ربح، أحسن كل شيء—دائما هناك خلل، أو نقص، أو عجز، أو حتى عامل بيئي أو مجتمعي لا يمكننا أن نتحكم به سواء كان السبب أخلاقي أم غيره. بالإضافة، قد يتطلب الأمر للوصول لهذا الإدراك، ووقتاً أطول لاستيعاب إنها من سنن الحياة. أهم ما في الأمر هو أن نسعى أن نقدم أفضل ما لدينا دون أن نخسر أنفسنا، ولا نختزل هويتنا كلها في عملنا.
كم قائد وقائد بدأ بحماس لإدارة مشروع، وكل شيء كان وفق الخطة، ثم انتهى الأمر بإغلاق المشروع بعد فترة؟ ليس بالضرورة السبب هو "تقصير" من القائد أو أي أحد، لكن الأمر ببساطة: ضريبة النجاح—في سياقهم الخاص—أكبر منهم جميعاً. على سبيل المثال، مقهى يمتلك فكرة جذابة لمحبي الأدب والأفلام، وفيه أنشطة ترفيهية وتعليمية، وكل من يزور المقهى يستمتع بالأنشطة مع قهوته اللذيذة. أتت بعد فترة وجيزة من فتح أول فرع لهم جائحة كورونا، والجميع يذعر ويبقى في بيته—لا أحد يستطيع الذهاب إلى المقهى. من الظلم أن نلوم صاحب المقهى بعدم قدرته على التكيّف تحت الظروف غير المتوقعة لأننا لو فعلاً اللوم بمحله، لأدار الجميع مقهى وربح منه تحت هذه الظروف. طبعاً هذا لو نحسب أن مدير المقهى صاحب ضمير ويتابع فريقه ومتقن لعمله في كل جوانب الإدارة، لكن قدّر الله وما شاء فعل وخسر في العمل؛ فما بالنا لو القائد يعمل مع فريق مستهتر أو العكس: فريق متمكن يعمل لدى قائد غير كفؤ؟
هناك سبب مبرر لعدم تحقيق المراد به بالرغم من الاجتهاد وهناك سبب غير مبرر. سبب مبرر قد يكون له أثر سلبي محتمل على المدى الطويل، مثل الموظف الأجدر تنفيذياً لكنه لا يمتلك الخبرة الكافية في التعامل مع الفريق واللوجستيات؛ فلا يستطيع أن يصبح مديراً كفؤاً بخبرته الحالية؛ فيتقدم الموظف تنفيذياً جدير بشكل كافي—ليس الأجدر—وقادر على إدارة العمل بشكل كافٍ—على الأقل أكفأ من غيره من هذه الناحية. هذا لا ينتقص منه كشخص ولا من إنجازاته السابقة، لكنه فقط محدود بالتي متمكن منه في الوقت الحالي. كلما استوعبنا بشكل أسرع أن امتيازاتنا ممكن تكون جانب مختلف عن الجانب الضروري لديهم، كل ما قلت حدّة صدمة رفضهم لنا. أما في الجانب الآخر، هناك أسباب غير مبررة لعدم الاكتفاء بالجهد مثل النزاعات الشخصية أو الصورة النمطية التي يأخذها شخص عن غيره، فتتوتر العلاقة بدلاً من أن تتطور بشكلٍ سليم واحترافي؛ فبالتالي، العمل يصبح ثقيلاً بدلاً من أن يكون ذات معنى.
بين الأول والثاني، هناك عامل مشترك في تحقيق هذه الظاهرة: التحيز. عندي قناعة بأن الجميع متحيز في جانب معيّن من جوانب الحياة، وليس بالضرورة يجعلنا أشخاصاً سيئين. أصلاً، الحيادية في بعض الأمور، مثل القضايا الحساسة، تدل على ضعف الحكم. مثل ما قال أحد الناس: "الحكم الناقص لا يعتبر على ما هو أكمل منه." حتى على المستوى الشخصي نملك ميولاً وتفضيلات تجعلنا نميّز بين الصالح والأصلح لتحقيق الهدف الخاص بنا. أبرز مثال هو اختياراتنا لأصدقائنا ولوظيفتنا وحتى لشريك/ة حياتنا. قد لا يبدو رفضهم لنا وقبولهم لغيرنا منطقياً لنا، وقد يجعلنا مستاؤون بقدر ما قد نكون محتارون، لأننا نقدّر أنفسنا بميزان مختلف عن ميزانهم. مرة أخرى، هذا لا ينتقص مننا كأشخاص ولا من إنجازاتنا ولا من خصلنا الحسنة، بل نحن أسرى للصورة التي تم تشكيلها في أذهانهم سواء كانت دقيقة أم مشوهة؛ فيحكمون علينا سواء عدلاً أو ظلماً.
في النهاية، لو نكون صريحين بما فيه الكفاية، يجب أن نقبل الحقيقة ألا يوجد أحد أتفق الجميع على محبته أو تقدير كفاءته أو حتى اعتبار احتياجاته الأساسية. قد لا نكون كافين للناس تهمنا آرائهم وتقديرهم، وقد لا نكون مناسبين لأدوار نطمح لها، وقد لا ننال ما هو أساسي بالنسبة لنا من ناحية التعامل. لكن، أهم شخص نعتبره كافياً وكبيراً في عيننا هو أنفسنا—لا نحمل أنفسنا ما لا طاقة لنا به ولا نغش نفسنا عن طريق نيل ما لم نجتهد من أجله ولا نستحقه.
خديجة الشمري
جمييييل 👏🏻